رمز الخبر: ۱۰۷۵۸
تأريخ النشر: ۰۶ خرداد ۱۳۹۴ - ۱۹:۵۴
لم تمض أسابيع على تولي إسماعيل ولد الشيخ أحمد منصبه كمبعوث شخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن ، حتى كُشف ضعف أدائه ، وأثبت ما حكي سابقاً عن أنه مبعوث المملكة السعودية الذي عينته بريالاتها ؛ حيث كشف في زياراته الأخيرة للرياض وطهران ، عن سطحية معالجاته وضعف أدائه ، خاصة أنه يتعامل وسط ساسة مخضرمين ، ما جعل مهمته «الأممية» تخفق ، وقاد الرياض إلى الانكفاء، متفادية الإحراج العسكري والسياسي الذي كانت ستواجهه في جنيف.

و حاول المبعوث إسماعیل ولد الشیخ أحمد ، خلال اجتماعه بوزیر الخارجیة الإیرانی محمد جواد ظریف ، فی طهران الجمعة الماضیة، إمرار صفقة سعودیة علیه ، و استقبله ظریف ببشاشته المعهودة وحنکته المشهود بها بصفته مفاوضاً یفقه الثقافات العربیة والغربیة المختلفة ، فیما أبلغه الموریتانی ولد الشیخ أحمد أن الحوثیین الذین قابلهم فی صنعاء قبل ذلک بأسبوع تقریباً یتفهمون مسائل کثیرة ، وهم على استعداد لتقدیم تنازلات ، خاصة فی مسألة «اتفاق السلم والشراکة» .

لکن معلومات ظریف کانت غیر متطابقة مع ما سمع ؛ فهو یعرف أن الاتفاق یقوم فی الأساس على تطبیق مخرجات مؤتمر الحوار الوطنی الذی جرى التوصل إلیه مع سلفه جمال بن عمر . و بعبارة أخرى: إنه اتفاق محوری جاء لیعید ما خسرته ثورة ٢٠١١ خلال ولایة الرئیس الفار والفاقد للشرعیة عبد ربه منصور هادی . فی المقابل، کانت السعودیة تخشى تطبیق المخرجات، خشیة أن یمتد الإصلاح من الیمن إلیها . و هنا تحدیداً واجه ولد الشیخ أحمد خیاراً من اثنین فی مساعیه بشأن مؤتمر جنیف : إما أن یلغی مشارکة مجلس التعاون الخلیجی، وإما أن یلغی مشارکة إیران التی من دونها لا تشارک جماعة «أنصار الله» . کما سمع المبعوث الدولی من السعودیة أن حضور طهران المؤتمر لا معنى له جملة وتفصیلاً ؛ فهی لیست جارة للیمن ، ولا دولة عربیة ولیست عضواً فی مجلس التعاون الخلیجی ، لذلک لا یختلف وضعها عن وضع أی دولة أفریقیة أو لاتینیة . ثم فهم أن الریاض لا ترغب فی إعطاء خصومها الإقلیمیین أی دور .

بناءً على ذلک ، قدم المبعوث الدولی إلى وزیر الخارجیة الإیرانی مقترحات لتنظیم مؤتمر جنیف ، فطرح أن یتحدث ممثلون عن کل من دول مجلس التعاون، وجامعة الدول العربیة، ومنظمة التعاون الإسلامی، والاتحاد الأوروبی، ومندوبین عن مجموعة الدول الأربع عشرة . وکذلک ضمِن التوجه لتلوین المؤتمر بألوان أممیة ، فعرض مشارکة نائب من «برلمان الأطفال العرب» ، وهو طرح أثار سخریة دبلوماسیین معنیین فی الأمم المتحدة.

لکن أصل القصة أن إیران لم تکن مصرّة على حضور «جنیف» ، مع أنها رغبت فی تسهیل انعقاد المؤتمر وخروجه بقرارات یمکن تطبیقها ، لأن الوضع الإنسانی فی الیمن لا یحتمل المناورة ، والمنطقة لا تحتاج جبهات ملتهبة أکثر ، کذلک فإن الوضع المیدانی راجح لکفة أصدقائها ... والهدوء یرسّخ مکاسبهم .

من جهته ، بادل ظریف ضیفه بابتسامة وقال له : «المؤتمر سیولد میتاً بناءً على هذه المقترحات ، فکل المشارکین یناصبون العداء لأنصار الله» . وسأله : «کیف یجوز أن تمثل السعودیة التی تعتبر الخصم الرئیسی فی النزاع الیمنی أربع مرات فی المؤتمر : مرة بصفتها فی مجلس التعاون ، ومرة فی الجامعة العربیة ، ومرة فی منظمة التعاون ، ومرة کعضو فی مجموعة الـ١٤» ؟؟ . فلم یستطع المبعوث الدولی الردّ !! .

أیضاً ، فی اجتماع ثانٍ لولد الشیخ أحمد فی طهران مع وکیل وزیر الخارجیة الإیرانیة ، حسین امیر عبد اللهیان ، سمع منه إصراراً على ضرورة تمثیل کل الدول والأطراف المؤثرة فی النزاع لضمان نجاح المؤتمر، بمن فیهم ممثلون عن الأطراف الیمنیة المتنازعة ذات الثقل عن الأرض .

على جانب آخر ، کانت الریاض تشعر بخیبة أمل عارمة من عزوف الأمم المتحدة عن تبنی نتائج مؤتمرها ، تابعت مباحثات المبعوث فی إیران ، وکان لافتاً توخی الجانب الأمیرکی موقفاً حیادیاً فی اجتماعات نیویورک، لأن الأمیرکیین کانوا قد تلقوا من الریاض طمأنة إلى أن کل الحرب الیمنیة لن تستغرق سوى ١٠ أیام ، فإذا بها تمتد إلى أسبوعها الثامن آنذاک . و شعر الأمیرکیون بأن السعودیین یتخبطون ووقعوا فی مأزق لا یعرفون الخروج منه : خسائرهم فی الأرواح والعتاد تتضاعف ، وعجزهم لم یعد خافیاً على أحد . أما وزیر دفاعهم ، محمد بن سلمان ، الذی یرى نفسه صاحب الحل والفصل ، فیمضی وقته فی باریس ، متجاهلاً الأخطار المتلبدة فی الداخل وعلى الحدود . لذلک کله ، کانت المملکة ترید من المجتمع الدولی أن یکمل ما بدأته بداعی أنها تمتلک قراراً دولیاً رقمه ٢٢١٦ صدر تحت الفصل السابع ، لکنها لم تستطع صرفه وترجمته عملیاً رغم استخدام حلفائها قنبلة نیترونیة فی الیمن، کما نقل خبراء.

انطلاقاً من ذلک ، دعت السعودیة ولد الشیخ أحمد للتشاور قبل أن یتجه إلى جنیف من أجل التحضیر للمؤتمر ولتوجیه الدعوات، فحددت له شروطها وعددها ١١، أهمها : أن تختار السعودیة ما لا یقل عن نصف المشارکین فی المؤتمر من الشخصیات الیمنیة ، بمن فیهم ممثلو الأحزاب ، ثم رفضت تمثیل الجنوبیین فی المؤتمر ممن رفضوا حضور مؤتمر الریاض ، أو الذین اعترضوا على الهجوم العسکری السعودی ، مثل رئیس الجنوب السابق علی ناصر محمد . کذلک طلب السعودیون قبل بدء المؤتمر الحصول على مهلة من أجل تحسین أوضاعهم المیدانیة ، فالتوازن کان مختلاً لمصلحة خصومهم على الأرض، وقد أرادت الریاض احتلال منطقة آمنة تستطیع نقل حکومة المهجر إلیها لتکوین رقعة یمکن التوسع منها والسیطرة على قسم من الیمن بعدما أخفقت فی السیطرة علیها کلها. کل هذا لم یحصل ، بل تآکل فریق هادی تحت وطأة الهزائم المیدانیة المتتابعة، ثم اتسعت الهوة بینه وبین نائبه خالد بحاح ، الحضرمی الذی یعد الأقرب إلى هوى الریاض ، لذا کانت السعودیة فی حاجة ماسة إلى تأجیل جنیف کی لا تواجه الحقائق فیه وتدفع ثمنها على المکشوف.

ومن الشروط الأخرى التی طرحتها المملکة السعودیة منح مجلس التعاون الخلیجی وأتباعه دوراً ممیزاً ومحوریاً فی وضع إطار مؤتمر جنیف. وبالفعل اقترح إسماعیل على الأمانة العامة للأمم المتحدة دعوة الأمین العام لمجلس التعاون (عبد اللطیف الزیانی) لإلقاء کلمة الافتتاح ، علماً بأنه کان من المفترض أن یلقیها الأمین العام للأمم المتحدة بان کی مون، بل علیه أن یحدد أطر المؤتمر وأهدافه ، لذا أرادت السعودیة أن تزکی مقررات مؤتمر الریاض بهذه الطریقة الاحتیالیة؛ فجاء رد الأمم المتحدة برفض المقترح .

سألهم المبعوث الدولی رداً على طلب التأجیل لتصحیح الموازین: «کم تحتاجون من وقت؟»، لیکشف بسؤاله مقدار التبعیة لمن دعم تعیینه . وکان یعتقد أن الکلام فی السعودیة لن یصل إلى الیمن ، لکن خلافات یمنیی الریاض جعلت کل ما یقال فیها ینقل إلى صنعاء ویتردد حتى فی نیویورک .

و ردت الریاض علیه : «نحتاج بضعة أیام» . کان هذا یوم السبت الماضی، فضاعفت السعودیة غاراتها الجویة خلال الأحد والاثنین ، لکن النتیجة جاءت بنزوح جماعی من نجران وجیزان وظهران الجنوب. أما نزلاء سجن نجران، فبقی صراخهم یتردد فی المنطقة دون سمیع أو مغیث ، لأن السجن یقع بجوار معسکر نجران وتسقط الصواریخ بانتظام علیهما، ویقال إنه سقط العدید من القتلى والجرحى فیه، طبقاً لوسائل إعلام محلیة .

أما الیوم ، فتشعر الریاض بأن الأمم المتحدة ستکون منبراً لفضح مشکلاتها، لذا کان هدف شروطها التعجیزیة تعطیل المؤتمر ، وقد تلقفت المبادرة العمانیة بهدوء ، وسمحت بنقل قادة من «أنصار الله» إلى مسقط بطائرة خاصة من صنعاء ، وآثرت اتباع سیاسة التراجع المعتادة بمفاوضات سریة تدفع فیها تنازلات سیاسیة ومادیة قد تستر کل عورات إخفاقها بعیداً عن المؤتمرات الدولیة .

بإمكانكم إرسال موادكم وصوركم على العنوان التالي.

bultannews@gmail.com

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* نظر :