رمز الخبر: ۹۲۳۹
تأريخ النشر: ۰۷ بهمن ۱۳۹۲ - ۱۹:۴۹

«يا جبل ما يهزك ريح»... هذا هو منطق النظام السياسي في لبنان في عصر الانتفاضات ونزول الجماهير إلى «الميدان»، في مختلف الأقطار العربية، منادية بإسقاط الأنظمة القائمة فيها منذ دهور، والتي تسبّب دوامها في حالات من السكون والخمود والجمود أُعطيت تسمية مغرية: «الاستقرار».

ببساطة، ومن دون شعور بالحرج أو الخوف من المساءلة سلّمت الطبقة السياسية في لبنان الأمر لصاحب الأمر: السفير الأميركي في بيروت، ديفيد هيل، متمنية عليه أن يساعدها على تشكيل الحكومة التي لما تنجح في إعلانها برغم مرور تسعة أشهر طويلة على التكليف.

ولقد رحّب السفير ديفيد هيل الذي عرف لبنان وأهل نظامه السياسي جيداً خلال فترة عمله قبل سنوات فيه، بهذه المهمة وقد اعتبرها تشريفاً لا تكليفاً!. وهكذا دار سعادته على أبرز الزعامات والقيادات والإمارات الطائفية والمذهبية يجمع آراءها ومطالبها المتناقضة، في استشارات سرية ولكنها ملزمة. ومن أجل الاستكمال، بل الإنجاز، قصد إلى العاصمة الغربية الأجمل، باريس، للقاء بعض من اختاروها مقر إقامة، مؤقتاً، ثم ركب الطائرة الملكية إلى الرياض... وهكذا وبعد تكامل الاستشارات أشار بالتقدم نحو «الحكومة الجامعة» بتعديلات طفيفة على جدول اللوغاريتم الوزاري.

أما في سوريا، الدولة الجريح، فقد أجبرتها خطورة الأوضاع التي تعيشها بعدما طال «استقرارها» أكثر مما يجب فعطّل حيوية «قلب العروبة النابض»، وفتح أسوارها أمام مختلف الشراذم المسلحة الآتية من الماضي، أن تذهب حكومتها، مكرهة، إلى جنيف للقاء معارضاتها متعددة المنبت مختلفة التوجهات متعارضة الغايات، والدخول في حوار طرشان تسمع منه «الدول» ما يلائم أغراضها ويخدم مصالحها في المنطقة عموماً وليس في سوريا وحدها... مع ملاحظة أن جبهات المعارضات المسلحة من «داعش» إلى «النصرة» إلى ما ماثلها من تنظيمات مجهولة النسب، غريبة عن الأرض وتاريخ أهلها، ليست ممثلة في الحوار السويسري، مما يبقي لها حق النقض بقوة سلاحها متنوع المصادر، وتمويلها الفائض عن حاجتها نتيجة سخاء أهل النفط العربي.

وهكذا فإن دولة خلافة الأمويين، بعاصمتها دمشق، أو ما تبقى منها، مهددة بالاندثار تقسيماً وتفتيتاً على قاعدة مذهبية أو طائفية أو عرقية أو كلها مجتمعة.

وأما في العراق الذي حطّمه صدام حسين بمغامراته العسكرية المدمرة، ثم أجهز الاحتلال الأميركي على دولته وفرض تقسيمها، ولو بغير إعلان رسمي لاستقلال «»، الذي يتصرف رئيسه على أنه دولة ناجزة السيادة، فإن الجهود العربية الوافدة من الجوار النفطي القريب، تتكفل الآن بإتمام المهمة الاستعمارية في تفتيت العراق على قاعدة مذهبية بحيث تندثر «خلافة بني العباس»، بعاصمتها بغداد وبانيها المنصور وخليفته هارون الرشيد الذي كان مطمئناً إلى أن خراج الأرض التي ستمطر فيها كل الغيوم العابرة ستعود إليه.

أما في مصر فلم يكن من سبيل لاستنقاذ ما تبقى من دولة «الخلافة الفاطمية» إلا باللجوء لمن رأى في نفسه ورأى فيه الناس وجوه شبه مع المعز لدين الله الفاطمي، لكي يستنقذها من شبق الإخوان المسلمين إلى السلطة، ولو بثمن باهظ... وها هو يتقدم في حقول الألغام الدولية والاسترهان النفطي والشغب المتفاقم الذي يرمي وجه مصر المحروسة بالدم.

سقطت دول «الخلافة» الثلاث، بينما يتعاظم دور دول النفط حتى تكاد تصادر قرار الغد العربي بالشراكة مع الأميركي وحليفه الأخطر: إسرائيل!

ومع انشغال مصر بهمومها، وهي ثقيلة، فإن الفوضى الدموية في ليبيا تتمدد فتباعد بين جهاتها التي تكاد تعود ولايات في مملكة السنوسي المفقودة، يقتتل أهلها ولا من يستطيع وقف شلال الدم المتدفق في الشرق والغرب والجنوب.

بديهي والحال هذه أن تتمدد النار الليبية في اتجاه مصر، شرقاً، كما في اتجاه تونس غرباً، وأن تنزل إلى بعض الدول الأفريقية المنسية إلا من فرق الموت ذات الشعار الإسلامي الذي يحوّل الأنظار عن التمدد الإسرائيلي، نفوذاً وقواعد عسكرية ومواقع تنصت في تلك البلاد التي كادت ـ ذات يوم ـ تسلم أمورها لقيادة عربية في مصر أدركت خطورة أفريقيا استراتيجياً وعمق صلات القربى والصداقة والمصالح مع الأفارقة المضطهدين، ربما من بداية الخلق.

وهكذا ففي تونس يواصل «الإخوان» السعي لمصادرة قرارها وإرادتها لأن قادتهم كانوا الأكثر حرية في الحركة خارج البلاد، وشكّلت لهم اتصالاتهم مع الغرب الأميركي تحديداً مظلة أمان وهم يتقدمون في اتجاه السلطة.. وإن بتعثر ملحوظ.

أما في المغرب فإن عرش «الأسرة العلوية» يستعصي على التغيير بالثورة، فالملك هو أمير المؤمنين ولا مجال للمزايدة على النسب الشريف بالشعارات ذات الوهج الديني.

[ [ [

نعود إلى لبنان ومفوضه السامي الجديد ديفيد هيل الذي يرى أنه المعني الأول والأخطر بتشكيل الحكومة الجديدة، إذ يفترض أنها، حتى لو كانت انتقالية، مرحلة فاصلة بين عهدين مختلفين تماماً، فيذهب إلى «الوهابيين» في مملكتهم المذهّبة ليقنعهم بتهدئة اللعب فوق المسرح اللبناني والتقدم لوراثة «الدول» التي كانت تقاسمهم النفوذ فيه وسوريا على وجه التحديد... حتى لو اضطرهم الأمر إلى شيء من الشراكة ـ ولو مؤقتاً ـ مع من يكرهون، كإيران على سبيل المثال.

لعل المستر هيل يراها اللحظة المناسبة لاستعادة لبنان كله، طالما أن سوريا تغيّبها مشكلاتها وتشغلها بهمومها الثقيلة... أما إيران، فهي بعيدة، ثم إن الخط المفتوح حديثاً مع واشنطن قد يعقلنها، وقد يجعل من هذه الشراكة العارضة امتحاناً للضمانات التي قدمها وزيره جون كيري خلال زيارتيه، مؤخراً، إلى المملكة، ولا سيما اللقاء الحميم في «روضة خريم».

وفي تقدير المستر هيل، ومن وافقه الرأي في استشاراته، أن هذه أقصر طريق إلى انتخاب رئيس جديد للبلاد في موعده الدستوري.

... وهذه نعمة كبرى، كما لا بد تقدّرون!

بإمكانكم إرسال موادكم وصوركم على العنوان التالي.

bultannews@gmail.com

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* نظر :
آخرین اخبار
پربازدید ها
پرطرفدارترین