رمز الخبر: ۱۳۵۵۲
تأريخ النشر: ۲۶ آذر ۱۳۹۵ - ۱۱:۵۰
لعلّ ما يختصر واقع التضليل الإعلامي اليوم بشأن ما يجري في حلب فيديو قصير انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة كرتونية ساخرة، يظهر فيه المراسل على بعد عشرة أميال من مكان الحدث الذي لم يتمكن من الدخول إليه، لكنه رغم ذلك يتحدث عن مئات ملايين القتلى.
تجلس إيفا بارتليت، الناشطة والصحافية الكندية التي غطت حروب إسرائيل في غزة، لتجيب عن أسئلة صحافي حول الواقع في مدينة حلب، بسؤال آخر. طلبت منه أن يعدد لها المنظمات الإنسانية المتواجدة في أحياء حلب الشرقية والتي يستقي منها ما بدا بالنسبة إليه بمثابة "أخبار موثوقة" عن "عمليات قتل يتعرض لها المدنيون" من قبل الطيران السوري والروسي في تلك المنطقة. لم يعرف الصحفي بما يجيب فالتزم الصمت. لتردّ عليه بمطالعة تنتهي بأن لا مصادر "موثوقة" في شرق حلب.  

معركة الصورة في حلب: الدليل يهزم التضليل

فيما كان هذا الحوار يدور في القاعة المخصصة للصحفيين في الأمم المتحدة كانت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تعجّ بالصور غير المسندة في حرب كان التضليل الإعلامي حاضراً في كل محطاتها لا سيّما المفصلية منها. فكيف الحال بما يعتبره مراقبون اليوم "المعركة التي قد تحسم الحرب السورية".

اللافت في الصور ليس افتقارها للدقة فقط بل استخدامها من قبل وجوه إعلامية على أنها حقيقية دون التحري عن مدى مصداقيتها، علماً بأن عملية بحث بسيطة تحيلك بثوان وفي أسوأ الأحوال بدقائق قليلة إلى مصادرها الأصلية. لتجد نفسك في نهاية المطاف أمام صور تمت استعادتها إما من مكان وزمان آخر في سوريا وأخرى استحضرت من وراء الحدود، لتكون جزءاً من هذه الحرب الإعلامية. 

من بين هذه الصور، صورتان نشرهما المراسل في قناة الجزيرة أحمد زيدان على صفحته في فايسبوك، لما وصفها بـ"الإعدامات الجماعية" في حلب. ليتبين أن إحدى الصورتين هي لوكالة "رويترز" وتعود لعام 2015 أما مكان الصورة فهو العاصمة السورية دمشق. أما الصورة الثانية التي نشرها زيدان فهي ليس سوى لمجزرة ارتكبها داعش في العراق عام 2014.

إلى مكان أبعد من العراق ذهب الناشط الفلسطيني ياسر علي، في الجغرافيا ذهب إلى باكستان وفي التاريخ عاد إلى ما قبل الأزمة السورية نفسها وتحديداً عام 2007 تاريخ اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية بنظير بوتو. 

فالرجل الذي نشر علي صورته على أنه حلبي يقف منتحباً وسط أشلاء يفترض أنها لمدنيين قتلوا جراء الغارات على الأحياء في حلب، ليس سوى أحد ضحايا التفجير الذي أودى بحياة بوتو وقد وثّقت صورته آنذاك وكالة "أسوشيتد برس". 

الصورة نفسها نشرتها الإعلامية اللبنانية ديمة صادق قبل أن تمحوها معترفة بنشرها صورة "عن طريق الخطأ" على أنها من حلب ليتبين لاحقاً أنها ليست كذلك. وردّت في تعليق لها على فايسبوك على ما وصفتها بـ"الحملة الشرسة" ضدّها. 
 
هكذا تحوّلت طفلة تؤدي دوراً في فيديو كليب إلى طفلة حلبية تفر من الموت جرياً بين الموتى
وإذا كانت هذه الصور حقيقية بمعزل عن مكانها وزمانها وأبطالها، فإن الداعية الإسلامي طارق السويدان نشر صورة تمثيلية لطفلة ظهرت في فيديو كليب للفنانة اللبنانية هبة طوجي تنتقد من خلاله "الربيع العربي" على أنها لطفلة حلبية تهرب من الموت في حلب. 

لا شكّ أن حرب الصورة لطالما كانت جزءاً من الحرب العسكرية ولكن ماذا لو لم تكن هناك صور في الأصل؟ وماذا لو اختصر كل من تبقى من مدنيين في الأحياء الشرقية لحلب بشخص واحد هو عبدالكافي الحمدو الذي يستطيع لوحده من حيث هو، رصد الطائرات الروسية والسورية وتزويد وسائل الإعلام بالمعطيات الميدانية على مدار الساعة عن قصف هنا وآخر هناك، حتى إنه قلّما تقرأ خبراً أو تحقيقاً في صحيفة أجنبية عن حلب دون أن يحضر اسم عبد الكافي الحمدو بصفته مصدراً "موثوقاً"، بما يذكر بنموذج مشابه هو خالد أبو صلاح خلال معركة حمص.


لعلّ ما يلخّص هذا الواقع فيديو قصير انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة كرتونية ساخرة. يظهر فيه المراسل على بعد عشرة أميال من مكان الحدث الذي لم يتمكن من الدخول إليه لكنه رغم ذلك يتحدث عن مئات ملايين القتلى. وتم تعريف الفيديو على أنه واقع حال كل الناشطين اليوم الذين يغرّدون تحت وسم #حلب. 

هو حال الصحفيين الأجانب أيضاً الذين يغطون الأحداث في سوريا والعراق إنطلاقاً من لبنان أو تركيا كما كتب الصحفي البريطاني باتريك كوكبرن. كوكبرن تساءل كيف للمؤسسات الإعلامية التي تخشى إرسال صحفييها إلى المناطق التي يسيطر عليها أكثر المسلحين اعتدالاً خوفاً من أن يتعرضوا للخطف والقتل، أن تصدّق ما يردها من تلك المناطق؟ 

ورأى الكاتب البريطاني أنه لا مفرّ أمام المعارضة التي تخشى على وجودها من إنتاج أو السماح بإنتاج معلومات في إطار البروباغندا الخاصة بها مشيراً إلى أن الخطأ لا يكمن فيها بل في وسائل الإعلام التي تسمح بأن يتم تغذيتها بأخبار مشكوك فيها ومن جانب واحد. 

تبدو معركة حلب في ساعاتها الأخيرة، وقد تستعر بالتزامن معها حرب الصور والأخبار "غير الدقيقة" و"المزيفة" التي لم يسلم منها حتى أهم الصحافيين الأجانب الذين قال روبرت فيسك في مقاله الأخير في "إندبندنت" إنه سيكون عليهم أن يعيدوا كتابة روايتهم عما جرى في حلب، ويتحدثوا عن "الحقيقة الأخرى" للقصة.

بإمكانكم إرسال موادكم وصوركم على العنوان التالي.

bultannews@gmail.com

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* نظر :