رمز الخبر: ۱۱۷۹۷
تأريخ النشر: ۰۷ شهريور ۱۳۹۴ - ۱۲:۱۳
في عصرنا تكثر المفارقات ، وتجتمع المتناقضات، فيصبح الأبيض أسود والأسود أبيض ، وتمسي الحقائق أكاذيب والأكاذيب حقائق ، وتتوارى خجلاً قواعد الحكمة وأسس العقل و المنطق ، لتبقى "القوة" هي المنطق ، و هي القاعدة الأولى والأخيرة ، وهي المتربعة الوحيدة على عرش التفكير ، و على أساسها يقوّم ويعالج كل ما يستجد في هذا العالم المضطرب...!
وكتب الباحث والخبير المغربي "مصطفى قطبي" مقالا خص به وكالة "تسنيم" تحت عنوان "المايسترو الأميركي وصناعة الحروب...!" جاء فيه : 
حين نقول : ''الأمريكان'' المعنى : قتل ونهب وتزوير حقائق وفسق سياسي وتخلخل أخلاقي وضرب لمقدرات البشر الروحية وتحطيم لمستقبل البساتين والأمطار والسواقي والغيوم وجرح للكرامات والكروم .‏
في هذا العقل لا مكان للكرامة الإنسانية أو الأحلام الماثلة للشفاء العقلي: جميع الأحلام التي تسوقها هذه السياسة (مقزومة) ومهزومة وعارية عن الصحة والعافية وحالها من حال المواسم الموبوءة والأشجار المنخورة... وتعتزم إصدار أسوأ أنواع الوجدانات وأرخص وأحط الأمنيات، وتبحث عن برامج دائمة لتطوير الخيانات العائلية والمؤامرات بين الضفة والضفة والحارة والحارة والصفصافة والأخرى والبشر والبشر...‏
أميركا امرأة بكامل تشوهاتها العاطفية والإنسانية وتريد أن تبتكر أحلاماً مثلها وموتاً مثلها وإنساناً خريفي الهوى مجنوناً؟!‏
من المضحكات المبكيات، أنّ الولايات المتحدة تقود هذه الأيام، حملة عالمية بعيدة المدى، هدفها اجتثاث الإرهاب من جذوره، والقضاء قضاءً مبرماً على كل ما يمت إليه بصلة! وفي سبيل هذا الهدف الإنساني، تتحمل أمريكا أعباء معركة حامية الوطيس، تشنها ضدّ جماعة داعش الإرهابية ومشتقاتها، ويساند الولايات المتحدة في هذه الحرب النبيلة، عشرات من الدول المحبة للسلام...!
وليس غريباً أن تقوم أمريكا بهذا الدور الرائع ، فالذين يعرفون أمريكا حق المعرفة ، يعرفون أنها سباقة إلى الخيرات ، وأنها تسعى دائماً ـ ومنذ أن فتحت عينيها على هذا الكون ـ إلى كل هدف يحقق عدالة بلا حدود وحرية بلا قيود، فهي زعيمة العالم الحر، وهي القديسة التي تلتف برداء الرحمة والسلام.
إن تاريخ أمريكا... غني بالصور المشرّفة التي لا تنسى ، عامر باللفتات الإنسانية التي لا تغيب عن الذاكرة ... شبّت على التسامح وشابت عليه، وهي في كل زمان ومكان حليفة الشعوب المقهورة، وصديقة الأمم المظلومة، ومعينة لكل من يتطلع إلى الحرية والعدالة والمساواة.
• نشأتها :
نشأت أمريكا في بيئة محافظة تجل الأخلاق، وتصون القيم، وتقدر الرأي، وتحترم الحرية، وتزدري العبودية... فمنذ أن وصل كريستوف كولومبس إلى أمريكا، وتدفق المغامرون الأوربيون إلى القارة الجديدة... والمجموعات الأمريكية المستوطنة تقوم بتهذيب سكان القارة الأصليين، وتنقل إليهم قيم وحضارات العالم القديم... وهي في سبيل هذا العمل الإنساني، لم تكن ترى مانعاً من القيام بين حين وآخر بإبادات جماعية لبعض القبائل الهندية، التي رفضت مواكبة التطور العلمي والتقني القادم من وراء البحار، والمعروض أمامها مجاناً على أطباق من ذهب .
• سيرتها :
ومن أجل عالم متفتح متطور في الأرض الجديدة ، كان لابد من استقدام الآلاف المؤلّفة من الزنوج والعبيد، الذين اختُطفوا من بين أيدي أهلهم وذويهم في أفريقيا السوداء، وتمّ تخليصهم من الحياة التعيسة التي يعيشونها في مجتمعاتهم البدائية... جيء بهم إلى أمريكا مكبلين بسلاسل ثمينة لم يحلموا بمثلها قط، ثم تمّ السماح لهم بالانتشار في الأرض الجديدة، يسعون إلى رزقهم، وتحصيل لقمة عيشهم... ولكن بإشراف منظم من قبل سادتهم البيض، كي لا يقعوا في الخطأ، أو توسوس لهم أنفسهم القيام بعصيان... وأعدت لهم عقوبات ناعمة، كالجلد بالسوط أو الجنزير، والسلْق في مياه تفور وتغلي، والشيّ البطيء على نار هادئة...
كل هذه العطاءات، من أجل إنقاذهم من نفوسهم الأمّارة بالسوء، والحيلولة دون تورطهم في أمور لا تُحمد عقباها!
• معاركها :
لم تكتف أمريكا بتطبيق العدالة في أرضها ، بل أحبت أن تنثر زهور المحبة في وجوه الشعوب البعيدة، فقامت بإلقاء قنبلتين جميلتين على هيروشيما وناغازاكي، لتعطي الشعب الياباني الفرصة كي يعرف أن الله حق فيبتعد عن غيّه وضلاله، ويندمج في حياة جديدة كلها حب وسعادة ورفاهية.
ولم تتوقف أمريكا عند حدود اليابان، بل تعدتها إلى دول أخرى تتطلع إلى مساعدتها... فدعمت حكومات تملك أحدث الأساليب التربوية في التعامل مع شعوبها المضطهدة، وساندت أنظمة كادت أن تقع على (طولها) بعد أن سحبت أحزاب معارضتها البساط من تحت أقدامها، وشملت برعايتها كل ذي قوة، وكل ذي دهاء، وكل ذي رصيد متراكم في بنوكها ومصارفها. ولم تكتف بالتواصل مع الحكام الأصدقاء، بل تواصلت مع شعوبهم وثروات بلادهم أيضاً...
أما في المنطقة العربية، فما كان الأميركي صديقاً لأحد من العرب ، ممن نهبهم وقتلهم وفرض البؤس عليهم في طول الأرض وعرضها، ولم يكن صديقاً، بالمعنى الحقيقي، لأحد من العرب بخاصة حتى حين استخرج البترول من الأرض العربية واستغله عقوداً طويلة من الزمن بسعر بخسٍ لا يزيد على أربعة دولارات للبرميل الواحد في أحسن الظروف والأحوال، وكان هو من يقدِّر ويحسب ويحاسب، إلى أن حرره نسبيًّا الدم العربي المهراق في مصر والشام عام ١٩٧٣ ورفع سعره حتى تجاوز المائة بعشرات من الدولارات في ظروف وأحوال. ولم يكن الأميركي صديقاً لأحد من العرب بأي حال من الأحوال مذ فرض على العرب «الإسرائيلي» محتلاً عنصرياً قوياً قاتلاً ومهيمناً بالقوة والتهديد، وأعلن أنه يحميه ويزوده بالسلاح النوعي بما يجعله متفوقاً على العرب والمسلمين، ومنع الحديث عن سلاحه النووي وما زال.
وأرهب وأرعب كل من يتحدث من العرب عن إرهاب الكيان الصهيوني أو يفكر بمراجعة محكمة العدل الدولية في لاهاي لمحاسبة مجرم صهيوني واحد على جرائم الحرب والإبادة التي ارتكبها ضد الشعب الفلسطيني... وكان الأميركي وما زال أيها العرب حصن «إسرائيل» العنصرية وحاميها من أي قرار دولي يدينها، على كثرة ما ارتكبت من عدوان وإرهاب وجرائم و... و...
وكان الكيان الصهيوني الذي رسَّخه الغرب بالقوة في قلب الوطن العربي، فاستولى على القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهوَّدها هو المعوِّق الأول لكل شكل من أشكال التقدم العربي العلمي والتقني الحامل لقوة عربية محرِّرة حامية من خلال تحرير السلاح والإرادة والقرار... والتمكن من تكوين قوة عربية تحرر العرب وتحمي أرضهم وثرواتهم وإنجازاتهم ومقدساتهم وكرامتهم وهويتهم العربية ـ الإسلامية؟!
لقد أجبرت الإدارات الأميركية بعد شن حروبها الإجرامية واحتلالها البلدان والشعوب التي ابتلت بها على الانسحاب من تلك البلدان، جارت هزيمتها وخسائرها الجسيمة، وتكاليف جرائمها بشريًّا وماديًّا، وأيقنت الإدارات الأميركية، لا سيما الأخيرة، إدارة الرئيس باراك أوباما، أن أزمتها الاقتصادية الآن وليدة تلك الحروب وتداعياتها الكارثية. صحيح أن الشعوب والبلدان التي عانت من سياسات تلك الإدارات دفعت أثماناً باهظة من أبنائها وعمرانها إلا أنها بمقاومتها وكفاحها الوطني ردت على الجرائم الأميركية بما يقابلها من أثمان تاريخية واستراتيجية . و فرضت الإدارات الأميركية بشتى السبل و الأساليب غاياتها العدوانية على الشعوب والبلدان، من العقوبات الاقتصادية وإجراءات المنع والتحريض والتهديدات وغيرها من أنواع الحصارات، التي تترك آثارا كبيرة على اقتصادات البلدان المستهدفة وكذلك على مختلف مجالات حياة الشعوب، ومن ثم استخدمت وسائل العنف الدموي والاغتيالات والسيارات المفخخة وتأجير المرتزقة وعصابات القتل والجريمة المنظمة وغيرها من العصابات المعروفة دوليًّا لإنجاز أهداف الاستعمار والاستغلال الامبريالي.
ومارست بكل صلافة وسائل التجسس ، وبكل خسة اغتيال العلماء والمثقفين والشخصيات السياسيَّة البارزة، وكذلك هجمات الجراثيم الالكترونية والاختراقات لمؤسسات البحث العلمي والتوثيق الوطنية، وطائرات بلا طيار وغيرها، وكلها في ادعاءات شن حربها المعلنة ضد الإرهاب العالمي ومنظماته المعروفة، وأبرزها القاعدة ومشتقاتها.
وجاءت فضائح تلك السياسات الإجرامية موثقة بما اقترفت أياديها وكذلك في وثائقها الرسميَّة التي نشرتها بعض وسائل الإعلام، ومن ثم موقع ويكيليكس وأخيراً وليس آخرا صحوة ادوارد سنودن، رغم كل حمايتها وخططها الاستراتيجية الأمنية والحربية واستخدامها اغلب المنظمات الدولية، السياسية والحقوقية والأهلية، فضلا عن تشغيل واستعمال مؤسسات غير قليلة في خدمتها واستغلال قابلية التخادم التي تقدمها حكومات ومؤسسات غير أمريكية، على مختلف الصعد والمستويات، وفي كافة المجالات.
وكل هذه الجرائم التي ترتكبها إدارات الولايات المتحدة الأميركية وعصاباتها في العالم تثبت فداحة مخططاتها العدوانية ضد الشعوب ومصالحها، وهي إذ تُفضح وتتساقط وسائل نفاقها وأوراقها التي تسعى إلى تمريرها إلى عقول وأفئدة الناس تجد في النهاية أن أكثر ما تدعيه يتحول إلى وصمات عار لها وفضائح فظيعة تجرمها وتدل عليها، ولا شك أن تكرارها في أكثر من مكان خلال السنوات القليلة المعاشة يضعها أمام الشعوب وقواها السياسية عارية بحقيقتها وصورتها الفعلية، يزيدها ما يغلي داخلها ويتفاعل حولها من إحباطات متتابعة وفشل متواصل، رغم كل جبروتها وطغيانها، ولعل الأزمة التي تعاني منها الآن اقتصاديًّا وسياسيًّا واعتذار رئيسها حتى من المشاركة في قمم مهمة وزيارة بلدان لها علاقات استراتيجية معها توضح مدى انحسار وغياب شمسها.
الجديد في حروبها الأخيرة استخدامها لشتى وسائل التقنية الحديثة والمتطورة في محاولة إثبات استفرادها في الهيمنة على السياسة الدولية والنظام العالمي، والتعامل مع ما تسميه ''عدوها'' وحاضناته ومصادره بصفقات بناء علاقات جديدة وتوقيع اتفاقيات لأهداف تعوضها عما حصل لها معه في أوقات سابقة، إلا أنّ ذلك لم يمنحها الأمان والاطمئنان داخليًّا، بل يعمق في أزماتها المختلفة وعلى كل الأصعدة، كما أنها لا تتوانى عن استخدام وكلاء لها أو توكيل آخرين لتنفيذ مهمات لها، وهو ما حصل ويحصل في البلدان التي تعرضت للغزو والاحتلال من قبل قواتها وقوات حلفائها الغربيين، ولا تمانع طبعاً بل تطلب ذلك علناً من أن يكون الممول والدافع لنفقات حروبها الجديدة من أبناء المنطقة وأموال شعوبها التي تتصرف بها حكومات وأفراد تسلطوا في غفلة وفي تعاون كامل وسافر مع القوى الاستعمارية ذاتها، قديمها وجديدها.
ولا تحسب إدارات الولايات المتحدة وأجهزتها ما تقوم وتتصرف به في منطقتنا تناقضاً أو ازدواج معايير، بل تراه استمراراً لجهودها وضغوطها وخططها في الهيمنة وفرض سياساتها في كل الحالات والطرق والأشكال، فلا يهمها من يقدم لها الخدمات التي تطلبها بقدر ما تريده منه وتسعى إليه.
ولهذا تتحالف اليوم مع''أعدائها'' بالأمس وترسم خارطة لكل منهم وتعمل على ما يستجد على الأرض من جديد قد يخرج من لوائحها ورهاناتها، وما تعيشه بعض الدول التي عانت من احتلالها اليوم خير دليل على تخبط سياساتها وتلاحق هزائمها، حيث إرادات الشعوب أقوى منها ومن كل ما بنته وخططت له بنفسها أو بأدواتها.
اليوم ، الأميركي ''سيف الحق والعدل والأمن''، وهو يصول ويجول بأثواب المنقذين لكنه لا يستطيع أن يخفي ما عليها من دماء، وراياته مرفوعة عالياً في فضاءات وأراضٍ، وصوت باطله يدوي ويعلو على راياته، يلعب دور المنقذ من الضلال، والمكافح لإرهاب صنعه ودرَّبَه وسلَّحه وسمنه ووظفه واستخدمه طويلا، ويظهر صديقاً لعرب يضيقون بعرب، ويقول إنه حرب على سنَّة مع أهل السنة والجماعة، وحرب على السّنة بالشيعة وعلى الشيعة بالسّنة، وعلى العرب بالكرد وعلى الكرد بعرب... ويخلط خلطاً عجيباً على لسان الرئيس أوباما ووزيره فيُستساغ، ولا يُعدّ عدوانه عند البعض عدواناً ما لم يزحف جيشه على الأرض فهو طير السماء طليقاً؟!
هذه هي أمريكا، حبيبة الشعوب، وصديقة الأمم ... وها هي ذي تقوم بواجبها الإنساني أمام الملأ، تحقيقاً لأحلام كل من يعيش في هذا الكوكب الهادىء.

بإمكانكم إرسال موادكم وصوركم على العنوان التالي.

bultannews@gmail.com

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* نظر :