رمز الخبر: ۱۰۹۴۹
تأريخ النشر: ۲۵ خرداد ۱۳۹۴ - ۰۶:۴۶
قد يكون من الصعب على البعض تقبُّل فكرة ان اميركا القوة العظمى، أصبحت اليوم ضمن تعبير "لقد كانت". فالعالم بأسره تعوَّد ولسنواتٍ طوال، أن يكون الأميركي حتماً المُنتصر، حتى أصبحت سياسة واشنطن، تعني بحد نفسها الفوز.
لكن القراءة الموضوعية اليوم، تُشير الى عكس ذلك تماماً. وهو ما أصبح يعترف به خبراء السياسة الأميركيون، على الرغم من أن بعض المُتعدِّين على السياسة الدولية في منطقتنا، ما زالوا يكابرون، ولهم أسبابهم التي لا تعنينا، لكن يعنينا أن نسلط الضوء على حال السياسة الأميركية اليوم، وبلسان خبراء أميركيين، اعترفوا بالنتائج السلبية للإستراتيجية الأميركية دولياً. الى جانب تسليط الضوء على النفوذ الإيراني في المقابل، وكيف نجحت الإستراتيجية الإيرانية. فكيف يمكن المقايسة بين الإستراتيجيتين وبموضوعية؟

اميركا وفشل استراتيجية القوة

يمكن القول إن أميركا حققت نصراً واحداً بمعايير الحرب العسكرية، وذلك في خمس حروب رئيسة، وهي عملية عاصفة الصحراء، إلا أن الحرب الكورية كانت عبارة عن ورطة دموية، فيما شكلت حرب فيتنام هزيمة عسكرية صريحة، لنصل الى حربي أفغانستان والعراق، واللتين إعتُبرتا أطول حربين تخوضهما واشنطن، ويمكن القول انها خسرت فيهما. كلُّ ما مضى عبارة عن رأيٍ لكاتبين أميركيين تحدثا وبصراحة، عن الفشل الأميركي. وقد ذكر ذلك الكاتب الأميركي، دومينييك تييريني، المحرر المساعد في مجلة "ذي أتلانتك" وأستاذ العلوم السياسية في جامعة سوارثمور، في كتابه الجديد الذي أطلقه بداية الشهر الحالي تحت عنوان: "The Right Way to Lose a War: America in an Age of Unwinnable Conflicts (June, ٢٠١٥)". أو "الطريقة الصحيحة لخسارة الحرب: أميركا في عصر الصراعات التي لا يمكن الإنتصار فيها". الى جانب أن نعوم تشومسكي، الكاتب والمنظر الأميركي المعروف، لديه العديد من المقالات حول هذا الموضوع.

وهنا نشير الى التالي، في تقييمٍ لأسباب الفشل الأميركي مقرونٍ بالأدلة:

في تقييم لحربي أفغانستان والعراق، فلقد كان من الواضح أنهما استنزفتا الأميركان أكثر من غيرهما، إن على صعيد العديد البشري، أو على صعيد التكلفة. ولعل الكلام الأخير لدونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي في عهد بوش الابن، عن أن أميركا أخطأت في غزو العراق، يأتي ليؤكد ذلك. كما أن الكاتب دومينييك تييريني الذي أشرنا اليه سابقاً، أشار في كتابه ليقول في تحليله لأسباب الفشل الأميركي إنها تعود للفجوة بين أميركا وحلفائها على صعيدٍ أسماه "إرادة الحرب" وهو ما نسميه نحن "العقيدة القتالية"، موضحاً أن أميركا كانت وما زالت تعتمد على القوة وهو الأمر الخاطئ. وهو ما أشار اليه الكاتب قائلاً: "إنها حرب محدودة بالنسبة إلى الأميركيين، وهي حرب شاملة بالنسبة لأعدائهم. وإن لدى أميركا قوة أكبر، أما أعداؤها فلديهم إرادة أقوى".
وببساطة في تحليلنا للنتائج نجد أن الطرف الأميركي المُخطط تعاطى مع سياسات المنطقة، دون الفهم الحقيقي للواقع الموجود. فالحشد العسكري لم يُجد نفعاً في منطقتنا، وهو ما بيَّنته نتائج الصراعات. وإلا فلماذا لم ينفع واشنطن الحشد العسكري في أفغانستان؟ ولماذا حدث مثل ذلك في العراق؟ مع الأخذ بعين الإعتبار الفرق بين الحربين والبلدين.

إذن، تعاطت أميركا مع الوقائع السياسية من منطلق المُكابر المُعتاد على الفوز، وكانت حروبها عبارة عن مشاريع هدفت للإستيلاء من خلالها على مقدرات الدول، ورفع وتيرة تجارة السلاح. ولم تتعاط أميركا مع الشعوب من منطلق فهمها للواقع الذي سعت للسيطرة عليه. وبالتالي كانت أميركا تفتقر لما يسمى "العقيدة القتالية" لدى جيشها، وهو ما يطلق البعض عليه تسمية "الإرادة". فأدخلت قواتها في حروبٍ لا دافع فيها للقتال، مما أسقطها في الميدان وفي السياسة. وهنا يأتي الحديث عن "الإستراتيجية الإيرانية".

إيران ونجاح إستراتيجية الإرادة

قد يكون جديداً طرح هذا الموضوع، لكنه سيكون كالجديد في وصف الواقع. أميركا تنسحب من المنطقة، وتحل إيران مكانها. ليس لأن الدولتين تتفقان في السياسة، بل لأن إيران كانت اللاعب الخفي، الذي استطاع فرض قواعده، على اللاعب الأخطر أي أميركا، وكسر معايير القوة، وقلب الموازين. فكيف حدث ذلك؟

إن توصيف الواقع يكفي، للوصول الى النتائج. ولعل المشهد العالمي اليوم أوضح من قبل، مما يُسهِّل عملية فهمه. فإيران التي كانت منذ البداية تنادي بالعداء لأميركا وما زالت، لم تكن تتاجر بنفطها على حساب الشعوب، ولم تسع لإسقاط الأنظمة الشقيقة، ولم تروِّج يوماً لنظامٍ ملكيٍ حاكم، بل حاكت سياساتها ضمن مبادئ يمكن إختصارها بسياسة "تعميم الإرادة". وهو ما يُعتبر وصفاً دقيقاً، لحالة الأمة الإسلامية والعربية بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران.
فالعقيدة القتالية التي حكمت حروب الشعوب في المنطقة لم تأت دون تعب. وهنا فلا بد من القول وبصراحة، إن الإيراني الذي سعى ليكون دولةً ذات نفوذ، رسَّخ واقع نفوذه من خلال مبادئ العداء لأميركا، والكيان الإسرائيلي، لينجح في جمع كافة شعوب المنطقة تحت عنوانٍ واحد، وعدوٍ مُشترك. وهو ما ولَّد حالة القوة التي لازمت كل مقاتلٍ حارب في الميدان.
لذلك، فإن دعم إيران المالي والعسكري للمجموعات المقاومة جاء بعد التأسيس العقائدي، على عكس أميركا التي زجَّت بجيشها في الميادين، ليقاتل تنفيذاً للأوامر فقط، فيما استطاعت إيران تأسيس مقاوماتٍ وحركاتٍ مسلحةٍ تمتد على مساحة دول المنطقة، تذهب للميدان إنطلاقاً من إيمانها بالمعركة والهدف، وتشخيصها السليم للعدو المُشترك. في وقتٍ كانت فيه واشنطن تُحدد أعدائها بحسب المصلحة، لتستخدم القوة العسكرية في سياساتها البراغماتية، لتسقط قوتها مع سقوط سياساتها.

النتيجة

فشلت أميركا كقوة عسكرية اعتمدت على فرض الهيبة، واخطأت تشخيص الواقع، فيما نجحت إيران في تأسيس واقعٍ من قوة الإرادة، جعل الشعوب اليوم، تقف في وجه السياسات الأميركية. وهو ما جعل الأميركي يقف عند حقائق أصبحت واضحة له ولكل من مشى خلفه. فالزمن اليوم تُحدده شعوب المنطقة، ولا شك أن أميركا مُحقةٌ في رحيلها عن منطقةٍ، لا مكان لها فيها. في وقتٍ من الواضح فيه أن الشعوب تختار اليوم ماذا تريد، وهو ما لا مشكلة لإيران معه، لأنها هي التي سعت لترسيخه. فسقطت أميركا بقوتها، ونجحت الشعوب بإرادتها، ونجحت معها الإستراتيجية الإيرانية.


بإمكانكم إرسال موادكم وصوركم على العنوان التالي.

bultannews@gmail.com

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* نظر :