رمز الخبر: ۱۰۸۸۴
تأريخ النشر: ۱۸ خرداد ۱۳۹۴ - ۲۳:۰۰
“رحم الله طارق عزيز الفارس الشهم الذي رفض ان يخون بلاده وقائده.. رحم الله العراق العظيم الذي انتمى اليه.. عراق العزة والكرامة والتعايش.. انه رجل ينتمي الى زمن عز فيه الرجال” ، بهذه الكلمات نعى احد الاعلاميين العرب الذي ينتمي الى شعب شردته الصهيونية من بلاده قبل ستين عاما، المجرم طارق عزيز احد رموز الحقبة الصدامية السوداء التي كانت ومازالت سبب كل المآسي التي يعيشها الشعب العراقي.

نفس هذا الاعلامي، الذي يصدر صحيفة الكترونية في لندن، ويحمل لواء الدفاع عن فلسطين والقومية العربية ويناهض الاستبداد والدكتاتورية والظلم والتمييز والاقصاء والطائفية واميركا والاستعمار، قد نعى قبل ذلك وبعبارات وصلت الى مستوى التأليه، السفاح المجرم صدام حسين. ومازال يمدح ويكيل الثناء كلما سنحت الفرصة للنظام الصدامي المجرم وينعت رموزه القتلة، بنعوت يحسدهم عليها القديسون.

من عادة هذا الاعلامي كي يظهر بمظهر المحلل الموضوعي والمنصف، يستدرك دائما بعد رفع سفاحي النظام الصدامي الى مرتبة الملائكة والقديسين، مكررا مقولته المعهودة : "ندرك جيدا ان هناك اخطاء، ونعترف ان جرائم ارتكبت، ونسلم بأن الديكتاتورية كانت سائدة، وندين كل هذه الممارسات”.

المجرم طارق عزيز في قفص الاتهام

ومن عادته ايضا ان ينعت مخالفي النظام الصدامي المجرم بابشع واخس النعوت، فهو بعد اعترافه مضطرا بوجود "دكتاتورية واخطاء في ظل نظام صدام حسين” ، يستدرك ايضا ويقول :”ولكن حدثونا عن ديمقراطية الحكام الجدد، واقبية التعذيب تحت وزاراتهم، وتجاوزات ميليشياتهم.. حدثونا عن احقادهم الطائفية ونهبهم لثروات العراق.. حدثونا عن ابنائهم وملايينهم التي هربوها الى الخارج، بينما اهل العراق العظيم يتضورون جوعا.. حدثونا عن الجامعات، عن المعاهد، عن القاعدة الصناعية التي اقاموها.. حدثونا عن الوحدة الترابية، او الجغرافية العراقية؟”.

ان حالة هذا الاعلامي ليست حالة فردية، بل حالة يعيشها بعض العرب، ولانقصد بهؤلاء العرب الناس العاديين، بل من يدعون النخبوية من كتاب واعلاميين وفنانين ، ازاء الاوضاع في العراق، قبل وبعد عام 2003 ، عام سقوط صنم بغداد.

هذه الحالة العربية تتناقض بالمرة مع موقف غالبية الشعب العراقي من عرب واكراد، ازاء الزمرة الصدامية المجرمة، التي اطبقت على انفاسهم لمدة اربعة عقود. العراقيون، واقصد هنا الغالبية العظمى من الشعب العراقي، لا يرون في صدام وزبانيته شهداء ولا قديسين ولا حتى وطنيين، بل يرونهم مجموعة من السفاحين المجرمين القتلة الخونة، الذين يستحقون الموت الف مرة.

العديد من العراقيين يصدمون وهم يسمعون ويقرأون لبعض اخوتهم بالقومية والدين، يمدحون بهذا الشكل المقزز والمستفز، قاتليهم وسفاحيهم ومشرديهم، دون ان يحسبوا حسابا لمشاعرهم ولآلامهم ومآسيهم ومعاناتهم، على يد تلك الطغمة الباغية.

كل محاولات العراقيين لاقناع بعض اخوتهم بالقومية والدين، بإجرام ودموية صدام وزبانيته امثال طارق عزيز وغيره، او بمظلوميتهم، باءت بالفشل، بل على العكس تماما موقف اخوة العراقيين بالقومية والدين، يزداد كل يوم استفزازا وسخرية، كما اظهروا ذلك بعد موت المجرم طارق عزيز في السجن قبل ان ينفذ فيه حكم الاعدام.

اسباب فشل هذه المحاولات لا تكمن في صعوبة اثبات دموية وجرائم وبطش واستبداد، المجرم صدام وزبانيته امثال طارق عزيز، فالمقابر الجماعية تضيق بها ارض العراق من الشمال الى الجنوب، وكارثة حلبجة، ومجازر الانفال، والتطهير العرقي والديني الممنهج، واعتماد سياسة الارض المحروقة ضد الاكراد، ومئات الالاف من الشباب العراقي الذين اعدموا في احواض التيزاب ومكائن الفرم بعد الانتفاضة الشعبانية في الجنوب والوسط، وملايين القتلى والجرحى الذين ذهبوا ضحايا حروبه العبثية وعدوانه على الجمهورية الاسلامية في ايران ودولة الكويت، وغير هذه الفظاعات الكثير، الا ان الصعوبة تكمن في اقناع اخوة العراقيين بالقومية والدين من العرب، بأن ضحايا قديسهم وشهيدهم وبطلهم صدام حسين، مظلومين او حتى بشر. فهؤلاء الناس لم ولن يتعاطفوا مع كل هؤلاء الضحايا رغم انهم تجاوزا الملايين، بل ان هناك من اتهم ضحايا صدام بانهم هم المجرمون واستحقوا القصاص العادل الذي انزله بهم ملهمهم.

للاسف الشديد ، ونقولها بصراحة، رغم انها حقيقة مرة، ان الحالة المأساوية التي يعيشها الشعب البحريني اليوم، وكذلك الشعب اليمني اليوم، تعتبر شيئا بسيطا من الحالة الشاذة التي يعيشها الشعب العراقي بين اشقائه بالدين والقومية، فكلنا يقف مذهولا امام مظلومية الشعبين البحريني واليمني، حيث يتعرض الشعب البحريني لأبشع انواع الاستبداد والظلم ومنذ خمس سنوات واكثر، دون ان يتعاطف معه هؤلاء الاشقاء، ومثل هذا الموقف يواجهه الشعب اليمني الذي يتعرض منذ شهرين لابادة جماعية على يد السعودية، دون ان يرتد طرف اخوته العرب بالقومية والدين. العراقيون عانوا مثل هذا التجاهل والتهميش وحتى الاتهام من قبل اشقائهم، فبدلا من ان يضمد الاشقاء جراح العراقيين نراهم يضغطون عليها لتنزف اكثر، عبر اتهامهم بالعمالة والخيانة.

ما يحز في نفوس العراقيين، ان كل من ينظر لتقديس السفاح صدام والمجرم طارق عزيز، ويخون الشعب العراقي، ينطلق من فكرة ان العراقيين هم من جاء بالاميركيين، وان قادة العراقيين الفعليين جاؤوا الى العراق على ظهر دبابات اميركية، ولكن من حق العراقيين ان يتساءلوا، من الذي اوصل المنطقة الى هذه الحالة من الفوضى لتكون مسرحا لتدخلات القوى الاجنبية؟، من اين دخلت القوات الاميركية لغزو العراق؟، واذا كان العرب يكرهون الاميركيين الى هذا الحد فلماذا هللوا وكبروا للتدخل الاميركي في ليبيا ، والان يستجدون التدخل الاميركي في سوريا ؟.،لماذا لا يتهم الشعب الليبي بالخيانة لقبوله التدخل الغربي، ولماذا لا يبكي العرب على القذافي كما بكوا على صدام ؟، لماذا الدكتاتوريات منبوذة لدى العرب الا في العراق والبحرين؟، لماذا يقف قادة العراق الجدد اليوم الى جانب محور المقاومة ويعارضون الاملاءات الاميركية لضرب سوريا ولبنان؟، جانب كبير من اجوبة هذه الاسئلة تكمن في الحقد الطائفي.

اخيرا ندعو من يتباكى على المجرم طارق عزيز والسفاح صدام، الى ان يتجرد من الطائفية ومن التعصب والحقد، وان يفكر مليا، ترى كيف يمكن للعراق ان يكون عظيما وحضاريا في ظل دكتاتورية وحشية ؟، كيف يمكن ان يكون رجال العراق هم صدام وطارق عزيز وعزة الدوري وبرزان ووطبان وسبعاوي، بينما الشعب العراقي يقصف بالاسلحة الكيمياوية ويدفن مئات الالاف من البشر احياء في الصحراء؟، كيف يمكن ان تبنى قاعدة علمية وعسكرية واقتصادية في ظل دكتاتور سفاح طاغية لا يأمن منه شعبه ولاجاره، عربيا كان ام مسلما، لا يخرج من حرب حتى يدخل في اخرى؟، من الذي زرع الطائفية والاحقاد في العراق عبر ممارساته الاجرامية على مدى اربعة عقود؟، هل بالامكان ان تبرز الطائفية بين ليلة وضحاها؟، لماذا قتل وعذب وشرد ، اغلب ضحايا النظام الصدامي المجرم على خلفيات طائفية ومذهبية؟، لماذا قسم النظام المقبور محافظات العراق الى محافظات بيضاء واخرى سوداء؟.

اما ما قيل عما وصل اليه العراق الجديد اليوم من دمار، ومحاولة تبييض صفحة النظام الصدامي الاسود، فهو مردود عليه بالكامل، فكل ما حصل ويحصل في العراق من دمار وقتل وتشريد ومآسي وفظائع، هي من صناعة ايتام السفاح صدام حسين، وقد بان وانكشف الدور التخريبي للسرطان الصدامي في احتلال الموصل وصلاح الدين والانبار ومجازر سبايكر وغيرها .

اخيرا ندعو اشقاء العراقيين بالقومية والدين، ان يحترموا ضحايا العراقيين، ان يحترموا موتاهم، ان يحترموا الآمهم، ان يحترموا بلدهم المحطم، ان يحترموا حاضرهم المؤلم، ان يحترموا تاريخهم الدامي، الا يدوسوا على جراحهم، ان ينظروا اليهم كعرب وكمسلمين، وان يصدقوا انهم ضحايا جلاد سفاح، وان قاتلهم ليس شهيدا ولا قديسا … ترى هل سيحترم هؤلاء مشاعر العراقيين؟ .. لا اعتقد .. لاننا نحملهم فوق طاقتهم.

بإمكانكم إرسال موادكم وصوركم على العنوان التالي.

bultannews@gmail.com

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* نظر :